محمد بن جرير الطبري

588

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وقف عند الشبهة ، وأبلغ في الحجة ، ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباه ولا محاماة ، ولا لوم لائم ، وتثبت وتأن ، وراقب وانظر ، وتدبر وتفكر ، واعتبر ، وتواضع لربك ، واراف بجميع الرعية ، وسلط الحق على نفسك ، ولا تسرعن إلى سفك دم - فان الدماء من الله بمكان عظيم - انتهاكا لها بغير حقها وانظر هذا الخراج الذي قد استقامت عليه الرعية ، وجعله الله للإسلام عزا ورفعه ، ولأهله سعة ومنعه ، ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا ، ولأهل الكفر من معاهدتهم ذلا وصغارا ، فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل ، والتسوية والعموم فيه ، ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه ، وعن غنى لغناه ، ولا عن كاتب لك ، ولا أحد من خاصتك ، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له ، ولا تكلفن امرا فيه شطط واحمل الناس كلهم على مر الحق ، فان ذلك اجمع لالفتهم والزم لرضا العامة واعلم انك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا ، وانما سمى أهل عملك رعيتك ، لأنك راعيهم وقيمهم ، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم ، وتنفقه في قوام امرهم وصلاحهم ، وتقويم اودهم ، فاستعمل عليهم في كور عملك ذوى الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف ، ووسع عليهم في الرزق ، فان ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت واسند إليك ، ولا يشغلنك عنه شاغل ، ولا يصرفنك عنه صارف ، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك ، وحسن الاحدوثه في اعمالك ، واحترزت النصيحة من رعيتك ، وأعنت على الصلاح ، فدرت الخيرات ببلدك ، وفشت العمارة بناحيتك ، وظهر الخصب في كورك ، فكثر خراجك ، وتوفرت أموالك ، وقويت بذلك على ارتباط جندك ، وإرضاء العامة باقامه العطاء فيهم من نفسك ، وكنت محمود السياسة ، مرضى العدل في ذلك عند عدوك ، وكنت في أمورك كلها